أزمة النتائج تضغط على تشيلسي: قراءة فنية في أسباب التراجع

  أزمة النتائج تضغط على تشيلسي: قراءة فنية في أسباب التراجع




يعيش تشيلسي موسماً استثنائياً بكل المقاييس، لكن للأسف ليس بالمعنى الإيجابي. الفريق اللندني الذي اعتاد جماهيره على المنافسة على الألقاب والتأكد من التواجد في المربع الذهبي، يجد نفسه الآن في دوامة من النتائج المتذبذبة والأزمات المتكررة جعلته يبتعد عن المراكز المؤهلة لدوري أبطال أوروبا، وسط تساؤلات محيرة: لماذا يتراجع تشيلسي بهذا الشكل رغم الإمكانيات الهائلة والإنفاق الضخم على الصفقات؟ ولماذا تتكرر نفس الأخطاء مع تغير المدربين؟


 موقع تشيلسي الحالي في جدول الترتيب


المركز | الفريق | المباريات | النقاط | فارق الأهداف

:---: | :--- | :---: | :---: | :---:

1 | أرسنال | 29 | 64 | 36+

2 | مانشستر سيتي | 28 | 59 | 32+

3 | مانشستر يونايتد | 28 | 51 | 12+

4 | أستون فيلا | 28 | 51 | 8+

5 | ليفربول | 28 | 48 | 10+

6 | تشيلسي | 28 | 45 | 9+


يحتل تشيلسي حالياً المركز السادس في جدول ترتيب الدوري الإنجليزي برصيد 45 نقطة بعد 28 مباراة، بفارق 6 نقاط عن أستون فيلا صاحب المركز الرابع المؤهل لدوري الأبطال، وبفارق 3 نقاط فقط عن ليفربول صاحب المركز الخامس . هذا الموقف المتأخر يضع الفريق في موقف صعب للغاية مع تبقي 10 مباريات فقط على نهاية الموسم.


الغريب أن تشيلسي كان يعتبر نفسه ضمن أفضل 4 فرق في الدوري الإنجليزي خلال السنوات الأخيرة، لكن الأرقام تكشف قصة مختلفة تماماً. منذ عام 2020، احتل تشيلسي المركز الرابع مرتين (2020 و2022) والثالث مرة واحدة (2021)، لكنه أنهى الموسم الماضي في المركز السادس أيضاً، مما يشير إلى تراجع تدريجي في المستوى منذ بيعة النادي في 2022 .


 كارثة البطاقات الحمراء: مشكلة ثقافية وليست فردية




أحد أبرز الأسباب التي تقف وراء تراجع نتائج تشيلسي هذا الموسم هي مشكلة الانضباط والبطاقات الحمراء المتكررة. الفريق تلقى 7 بطاقات حمراء في الدوري الإنجليزي هذا الموسم، وهو أعلى رقم بين جميع أندية البطولة، بل إنه يضعهم على بعد بطاقتين فقط من معادلة الرقم القياسي لعدد البطاقات الحمراء في موسم واحد بالبريميرليج .


هذه المشكلة ليست وليدة هذا الموسم فقط، بل تمتد لجذور عميقة. تشيلسي احتل المركز الأخير في جدول اللعب النظيف الموسم الماضي، والمركز قبل الأخير في الموسم الذي سبقه تحت قيادة ماوريسيو بوتشيتينو . هذا النمط المتكرر يشير إلى مشكلة ثقافية داخل النادي، وليست مجرد صدفة أو سوء توفيق.


المدرب الحالي ليام روزينيور حاول معالجة هذه المشكلة منذ توليه المهمة في يناير الماضي، ونجح بالفعل في تحقيق 10 مباريات متتالية بدون بطاقات حمراء، لكن المشكلة عادت بقوة في المباراتين الأخيرتين أمام بيرنلي وأرسنال، حيث تلقى الفريق بطاقتين حمراوين في مباراتين متتاليتين .


ماثيو أبسون، مدافع إنجلترا السابق، علق على هذه المشكلة بقوله: "هذا الأمر يكلفهم الكثير. لا أعتقد أنه يمكنك معالجته في هذه المرحلة من الموسم. هذا شيء يتم الحديث عنه في فترة الإعداد قبل الموسم. إنه أمر ثقافي يجب بناؤه داخل النادي. اللاعبون يتبنونه ويراقبونه. الأمر يتعلق بالتحكم في النفس في اللحظة المناسبة" .


الإحصائية الأكثر إيلاماً هي أن تشيلسي فاز في مباراة واحدة فقط هذا الموسم بعد أن أكمل المباراة بعشرة لاعبين، بينما خسر أو تعادل في المباريات الخمس الأخرى التي طرد فيها لاعب . هذا يعني أن أي طرد يحول المباراة بشكل شبه مؤكد إلى كارثة.


 دفاع مكشوف أمام الركلات الثابتة والكرات العرضية


إذا كانت البطاقات الحمراء تمثل المشكلة الأولى، فإن الدفاع ضد الركلات الثابتة والكرات العرضية يمثل المشكلة الثانية والأخطر. تشيلسي استقبل 9 أهداف على الأقل من ركلات ثابتة هذا الموسم في الدوري الإنجليزي، ولا يتفوق عليه في هذا الرقم سوى وست هام يونايتد .


لكن الأرقام المخفية تكشف قصة أكثر قتامة. وفقاً لإحصائيات أوبتا، فإن تشيلسي استقبل أهدافاً متوقعة (xG) من الركلات الثابتة بلغت 14.05، وهو أعلى رقم في الدوري الإنجليزي بأكمله . هذا يعني أن الفريق لا يتلقى أهدافاً فقط، بل هو الأسوأ في التعامل مع هذا النوع من الكرات بشكل عام.


مشكلة الدفاع ضد الركلات الثابتة مستمرة منذ فترة طويلة. منذ تعيين روزينيور في يناير، استقبل تشيلسي 10 أهداف من ركلات ثابتة في 13 مباراة فقط، خمسة منها كانت ضد أرسنال الذي أقصاهم من كأس الرابطة في نصف النهائي .


الأكثر إثارة للقلق هو تصريح روزينيور بعد مباراة بيرنلي، حيث كشف أن الفريق تدرب على الدفاع ضد الركلات الثابتة طوال الأسبوع، ثم استقبل هدفاً من ركلة ثابتة في المباراة نفسها بسبب خطأ في التعليمات. قال روزينيور: "هناك مشاكل في التركيز والانتباه يجب أن نعالجها. تدربنا على الركلات الثابتة طوال الأسبوع، وكمدرب، هذا يجعل الأمور أصعب في التقبل" .


مشكلة الكرات العرضية لا تقتصر على الركلات الثابتة فقط، بل تمتد للكرات العرضية المفتوحة. ميكا ريتشاردز، نجم مانشستر سيتي السابق، انتقد بشدة دفاع تشيلسي ضد الكرات العرضية ووصفه بأنه "سيء حقاً" . الأرقام تدعم رأيه، حيث استقبل تشيلسي 9 أهداف برأسية هذا الموسب، وهو ثالث أسوأ رقم في الدوري . للمقارنة، أرسنال استقبل 4 أهداف رأسية فقط، ومانشستر سيتي استقبل هدفاً وحيداً .


السبب في ذلك هو أن تشيلسي يتعرض لمعدل 2.41 كرة عرضية خطيرة في المباراة، بينما أرسنال يتعرض لـ1.25 فقط ومانشستر سيتي لـ1.56 . هذا الفارق الكبير يعكس مشكلة تكتيكية في كيفية منع وصول الكرات العرضية إلى منطقة الجزاء، وليس فقط في التعامل معها بعد وصولها.


 صعوبة اختراق الدفاعات المنخفضة




مفارقة غريبة في أداء تشيلسي هذا الموسم هي أن الفريق يبدو أفضل بكثير عندما يواجه فرقاً كبيرة تلعب بطريقة مفتوحة، مقارنة بمواجهة فرق صغيرة تلعب بدفاع منخفض. الإحصائيات تظهر أن تشيلسي يحصل على نقاط أكثر ويسجل أهدافاً أكثر ويستقبل أهدافاً أقل في المباريات التي تكون فيها نسبة استحواذه أقل من 60% .


هذا يعني أن الفريق يجيد اللعب في المساحات المفتوحة والهجمات المرتدة، لكنه يعاني بشدة عندما يضطر لاختراق دفاع مكتظ. الفرق الصغيرة تعرف هذه النقطة جيداً، وتلعب بطريقة تضيق المساحات وتعتمد على الهجمات المرتدة، مما يضع تشيلسي في موقف صعب للغاية.


خسارة النقاط أمام ليدز وبيرنلي في المباراتين الأخيرتين على أرضية ستامفورد بريدج خير دليل على ذلك. الفريق تقدم في المباراتين وكان قريباً من الفوز، لكنه فشل في الحفاظ على النتيجة واهتزت شباكه في الدقائق الأخيرة . روزينيور وصف هذه الخسائر بأنها "إحراق" للنقاط، في إشارة إلى غضبه الشديد من إهدار فرصة ثمينة للاقتراب من المربع الذهبي.


 عقدة الفرق الكبرى: 22 مباراة بلا فوز


ربما يكون الرقم الأكثر إيلاماً لجماهير تشيلسي هو سلسلة اللاهزية أمام كبار الدوري. الفريق فشل في الفوز على أرسنال في آخر 10 مواجهات جمعت بينهما في جميع المسابقات، وآخر فوز له على ملعب الإمارات يعود لخمسة أعوام كاملة .


الأمر أسوأ أمام مانشستر سيتي، حيث يعاني تشيلسي من 12 مباراة متتالية بدون فوز على الفريق السماوي، منذ نهائي دوري أبطال أوروبا 2021 الذي فاز به تشيلسي على حساب السيتي. هذا يعني أن الفريق فشل في الفوز على مانشستر سيتي في آخر 17 مباراة بالدوري الإنجليزي .


أمام مانشستر يونايتد، الوضع ليس أفضل كثيراً. تشيلسي فاز في مباراتين فقط من آخر 16 مواجهة في الدوري ضد الشياطين الحمر، وآخر فوز له على أولد ترافورد يعود إلى 5 مايو 2013، أي منذ 13 عاماً كاملة .


هذه العقدة النفسية ضد الكبار تمثل مشكلة حقيقية، خاصة أن تشيلسي يتبقى له مواجهات حاسمة ضد أرسنال ومانشستر سيتي ومانشستر يونايتد وليفربول وتوتنهام في الجولات المقبلة، وهي مواجهات قد تحدد مصير الموسم بأكمله .


 جدول المباريات الأصعب في الدوري


مع كل هذه المشاكل، يأتي الخبر الأسوأ: تشيلسي يمتلك أصعب جدول مباريات متبقٍ بين جميع فرق الدوري الإنجليزي. متوسط ترتيب الفرق المتبقية في مواجهات تشيلسي هو 8.6، وهو الأعلى صعوبة وفقاً لتحليلات أوبتا .


الفريق سيواجه جميع الفرق الخمسة الأخرى في المراكز الستة الأولى خلال الـ11 مباراة المتبقية، بما في ذلك مواجهات حاسمة مباشرة مع مانشستر يونايتد وليفربول. هذه المواجهات ستكون بمثابة نهائيات كأس، لكنها في نفس الوقت تمثل فرصة ذهبية لتعويض النقاط والفارق مع المنافسين المباشرين .


المشكلة أن الفرق الكبيرة لن ترحم، وأي خطأ دفاعي أو طرد أو هدف من ركلة ثابتة سيكون الثمن غالياً. روزينيور يدرك ذلك جيداً، لكن السؤال هو: هل يمتلك الحلول لتجنب هذه الأخطاء المتكررة؟


 بصيص أمل: تألق جواو بيدرو


وسط كل هذه الكآبة، هناك نقطة مضيئة واحدة على الأقل: تألق المهاجم البرازيلي جواو بيدرو. اللاعب الذي انتقل من برايتون مقابل 55 مليون جنيه إسترليني سجل 5 أهداف في آخر 6 مباريات بالدوري، وهو الهداف الأول للفريق في عهد روزينيور .


بيدرو يقدم مستويات كبيرة ويبدو أنه الاستثمار الوحيد الناجح في هجوم تشيلسي هذا الموسم. لكن السؤال: هل يكفي تألق مهاجم واحد لإنقاذ موسم كارثي لفريق بأكمله؟


موسم تشيلسي يقف على حافة الهاوية. مع تبقي 10 مباريات فقط، يحتاج الفريق إلى صحوة كبيرة وتغيير جذري في العقلية والأداء. المشاكل واضحة ومتكررة: بطاقات حمراء، أهداف من ركلات ثابتة، صعوبة في اختراق الدفاعات المنخفضة، وعقدة نفسية أمام الكبار.


روزينيور حاول معالجة هذه المشاكل منذ توليه المهمة، لكن النتائج على أرض الواقع تقول إنه فشل حتى الآن. الجولات المقبلة ستكون حاسمة ليس فقط لمصير تشيلسي في الموسم الحالي، بل ربما لمستقبل روزينيور نفسه مع الفريق. جماهير البلوز تنتظر بصبر ينفد، والوقت بدأ يدق بشكل خطير.

تعليقات